None
مقابلة

تصوير فوتوغرافي تجريبي: كايت ستيسيو

أجرت شارلوت كوتون مقابلة مع كايت ستيسيو، بالتزامن مع معرض "تصوير" ٢٠٢١ : تصوير فوتوغرافي تجريبي.

المشاركة مع صديق

شارلوت كوتون:

أريد أن أتطرّق أوّلاً إلى المسار الزمني لعملك في مجال التصوير الذي يمتدّ فترة طويلة وملفتة في حكاية التصوير. وتضمّ خلاصةٌ مقتضبة بترتيب زمني، من أواسط العقد الأول من القرن الحالي، الانتقالَ الكامل تقريباً من الفيلم التصويري إلى التقاط الصور الرقمية؛ وتحوّل برنامج فوتوشوب إلى وسيط فنّ بحدّ ذاته؛ وبرنامج ويب ٢.٠ وتوزيع الصور؛ والبروز السريع لمنصّات التواصل الاجتماعي وتطوير تقنيات طباعة وتصوير ثلاثي الأبعاد جديدة. عند تذكّر الماضي، إلى أيّ حدّ تأثّرت خياراتك الفنّية بهذا التغيير الجذري في عمليات التصوير الفوتوغرافي؟

كايت ستيسيو:

لقد انتقلت لاستعمل البرمجيات والشاشات بالصدفة. فقد تراكمت عليّ ديون دراستي الجامعية ورحت أعمل كمساعدة مختبر في استوديو متطوّرلتعديل الصور في العام ٢٠٠٤ . فكنت محاطة بأجهزة الكمبيوتر وبصور التقطها آخرون وبمجموعتي المتنامية من الصورة التي التقطّها بكاميرا الهاتف، لذا تعلّمت أن أعمل باستخدام ما هو متاح. وكانت القيود المالية والزمنية والتقنية التي واجهتها عندما أنهيت دراستي في كلّية معهد شيكاغو للفنون هي بالضبط ما أوصلني إلى العمل الذي أقوم به حالياً. فتآلفت مع برمجيات سطح المكتب لأنّني لم أملك استوديو أم كاميرا. ولأنّني عجزت جسدياً عن القيام بالعمل الذي أردت القيام به، رحت أتسلّ وأرسم علامات وأرسل صوراً مضحكة لأصدقائي، وسرعان ما أخذ أمرٌأكثر جدّية وأهمّية بالبروز. فلم يكن هدفي أو نيّتي يوماً أن أعمل بهذه الطريقة، أي كنتيجة للملل والفضول والدافع الأساسي لعدم البقاء ساكنة بدون أيّ نشاط. ولديّ إيمان كبير بهذا الدافع في نفسي وفي نفس الآخرين. والتصوير الفوتوغرافي والممارسات المتفرّعة عنه مجال ملائم وخصب للغاية لكي يتواصل الناس المعاصرون مع هذا الدافع. فإن كنت تحمل هاتفاً، لا يمكنك أن تلتقط صورة فحسب، بل يمكنك مشاركتها مع أيّ شخص على الفور، وفي نهاية المطاف، المشاركة هي المغزى الحقيقي.

شارلوت كوتون:

استعملتِ صوراً عثرت عليها على الإنترنت ك”مصدر” رئيسي لأعمالك وفي النصّ المخصّص للمعرض. وهنا أقتبس تعريفك للقيمة التي يتّسم بها استخدام الصور الشائعة جداً بنسق ملفّات JPEG باعتبارها “لا كأداة للدقّة بل كسرد قصصي ذاتي”. بداية، أنت تصنّفين ملفات JPEG كوسيط وكعنصر يزخر بالمعاني والسردية ويحدّد المجالُ الواسع من الصورالتشبيكية نظامَها الاجتماعي. تروقني الطريقة التي تربطين فيها النسق الافتراضي لملفّات الصور مباشرة بالمساحة الإبداعية “الذاتية”؟ فكيف تبلغين هذه المساحة؟

كايت ستيسيو:

في مرحلة ما من تجربتي، باتت صور JPEG مفصولة عمّا يمكن اعتباره تقليدياً كصورة. فالشريحة السلبية التناظرية للصورة، كسجّل موضوعي لتفاعل كيميائي، هي ثابتة. في المقابل، صورة JPEG هي في عملية تدمير من دون صورة “أصلية” مرجعية، وهذا برأيي ملفت للغاية. فنسق JPEG هو نظام افتراضي للضغط (سلسلة من البايتات) عوضاً عن الصورة بحدّ ذاتها (التي نخسرها في الضغط الفوري).وآنذاك، كان نسق JPEG وغيره من بروتوكولات الضغط النتيجةَ الافتراضية التي لا مفرّ منها لمعظم تقنيات التقاط الصور المتاحة للمستهلكين. بالتالي، برز منتج ثانوي لصورة ما، وهو عبارة عن نسخة من الصورة “الأصلية” الراسخة في تجربتنا وتوقّعٌ بالنشر عبرالإنترنت ل”أدوات صورية” ستتغيّ مع عملية ضغط لاحقة. ويضمّ نسق JPEG بعض العلامات الجمالية التي تخبر حكاية رحلة الصورة الخاصة في المجال التشبيكي. وفي السنوات الأخيرة، زاد اهتمامي بإدراج هذه العلامات كخيارات جمالية في الأعمال التي أقدّمها. فعوضاً عن محاولة إخفاءهذه الخصائص، أتعاطى مع درجة الوضوح والضغط بالطريقة ذاتها التي يعتبر فيها الرسّام اللزوجة أو الانسياب أو عدم الشفافية كخصائص للوسيط الذي يستعين به.

أعتقد أنّه عندما تواجه ثقافة ما مستوى جديداً من انتشار الصور، يبرز نوع من أزمة النظر ويُناط الفنانون بتأدية دور الشاهد على هذه الأزمة التي يختبرها الجميع على مستوى من المستويات، سواء أواعياً كان أم لا، عبر استكشاف حدود تأثير هذه الأزمة واستغلالها.

–كايت ستيسيو

شارلوت كوتون:

أعتبرك أيضاً فنانة تعيدين بكلّ إدراك ووعي إحياء لحظات صناعة الفنون التجريبية وترتكزين عليها. وتشكّل أعمالك ضمن معرض “التصويرالتجريبي” جزءاً من سلسلة “البناء (Construction) “التي ما زلت تقدّمينها والتي تحمل أسماء تذكّرنا فوراً بالتيارات الفنّية الرائدة في أوائل القرن العشرين، بما في ذلك البنائية الروسية، عندما كان الفنانون يواجهون “الانفجار في الصور” الخاص بهم (بروز عملية إنتاج الصور الضوئية الميكانيكية في الصحف والمجلات المطبوعة) والقضاء على الفرق بين الوسائط الفنّية وأدوار الفنون والفنّانون. كيف تصفين علاقتك بتاريخَ الفنون والتصوير، وهل تتماثلين معهما؟

كايت ستيسيو:

أتماثل بشدّة مع فترة بدايات القرن العشرين التي تحدّثتِ عنها وللأسباب التي ذكرتِها بالضبط. أعتقد أنّه عندما تواجه ثقافة ما مستوى جديداً من انتشار الصور، يبرز نوع من أزمة النظر ويُناط الفنانون بتأدية دور الشاهد على هذه الأزمة التي يختبرها الجميع على مستوى من المستويات، سواء أواعياً كان أم لا، عبر استكشاف حدود تأثير هذه الأزمة واستغلالها. وفي ما يخص تداعيات تاريخ التصويرعليّ، أشعر بأنني على أعلى مستوى من الانخراط مع الممارسات المشتقّة من التصوير، وبشكل خاص الكولاج والصورة التركيبية. ويبدو أنّ أي طرح لمعدّات أو برمجيّات مخصّصة لإنتاج الصور أو تعديلها يولّد نزعة للتوافق مع الغرابة البصرية التي يتمّ توليدها. في هذا السياق، أكثر المحطّات لفتاً للأنظار بالنسبة إليّ هي تلك اللحظات التي تتلاقى فيها التطوّرات في تقنيات التقاط الصور وتعديلها أو تقنيات النشر لتغيّر الطريقة التي نرى فيها العالم من حولنا.

شارلوت كوتون:

الكلام الذي تقولينه يتماشى إلى حدّ بعيد مع الاكتشاف والاختبار اللذين يتخطّيان سلوكيات الصور والتصوير ويبلغان مجالاً بشرياً وفضولياً للجميع.

كايت ستيسيو:

يخطر في بالي المشهد في فيلم”A Space Odyssey : 2001” الذي أخرجه ستانلي كوبريك وفيه تكون القرود تتفاعل مع الغرض الذي يظهر فجأة بينها. فقد ظهر أمر جديد على الساحة وأنا أواجه مساراً تطورياً جديداً، لكن قبلاً أسأل نفسي الأسئلة التالية: ماذا أفعل بذلك؟ وكيف أتفاعل معه؟ وهل أحاول تغييره؟ وهل هو يغيّني؟ هل ينبغي عليّ التهامه؟ أشعر بأنني امرأة كهف في العالم الرقمي. أريد أن أجعل شيئاً ما ملكي أو أضيف لمستي عليه أو أحافظ عليه أو أحتفظ به من خلال إضافة هذه اللمسة. ويبدو هذا التصرّف أخرق لكن مرضياً حتّ لو كان في الأمل الذي يعطيه فحسب. تسبق هذه الرغبة مرحلةَ الرسم والنحت، فهي استجابة طارئة داخلية يصعب وصفها.

شارلوت كوتون:

كيف تصفين تأثير بيئة الصور لدينا (وهنا أجمع بين التصويرالفوتوغرافي والصور الكمبيوترية) في الخيارات التي تعتمدينها لعملك أو في المشاهدين الذين تتوقّعين أن يروه؟ أعتقد أنّني أسألك عن النداء الذي يطلقه عملك للانتباه والذاتية البارزة التي تبنيها لمشاهدي أعمالك.

كايت ستيسيو:

أنا بدون شك وليدة ثقافة الصورة المشبّكة المعاصرة، بمعنى أنّ التركيب والتشاطر عنصران أساسيان في ممارسة العمل. ولا تختلف الرغبة في ابتكارأعمال فنّية تتشاطر أسئلة واستفسارات عن الدوافع التي تتّسم بها الميمات وثقافة الميم (meme culture). فهي تضمّ عنصر الدعابة المتشاطَرة وتلميحاً إلى سخافة علاقتنا الراهنة بالصور لكن إلى قوّتها أيضاً. فالمحتوى والألوان والتركيبات نعرفها معرفة كبيرة، فهي مترسّخة في جزء كبير من تجاربنا اليومية. وتبرز أيضاً الرغبة في تخطي علاقة القوة مع ثقافة الصور. فهل بالإمكان الجمع بين صورة غير واضحة من هاتف متحرّك وصورة جاهزة لطبق معكرونة وصورة شاشة لبرنامج تلفزيوني معروف في تطبيق فوتوشوب فتولّد أمراً باهراً؟ هل بإمكان صور من هذا النوع تخطّي استخداماتها المعروفة لتصبح أمراً آخر، أمراً يغيّ نظرتنا، حتّ لو لبرهة، نحو مجموعة جديدة من الإمكانات للصورة وصانع الصورة على حدّ سواء؟ في هذا السياق، سواء أكنت أعمل في الكولاج الرقمي أم في التدخلات النحتية أكثر، تنتابني رغبة أساسية كامنة بتوليد لحظة وقوف في تجربة المشاهدة المتنوّعة التي نعيشها.

تحميل ملف الـPDF